رد أبي قتادة الفلسطيني على خلافة داعش ( ثياب الخليفة )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ:

فقد شاعَ وانتشرَ ما أذاعته جماعةُ وتنظيمُ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ من إعلانِهم أنفسَهم أنهم وأميرهم هُم جماعةُ المسلمين أي الخلافة الإسلامية العظمى. دعوا عمومَ المسلمين في العالم إلى البيعةِ لأميرهم على هذا المعنى، وهو أمرٌ قد بلغني من قبلُ أنهم سيفعلونه، من قِبَل الإخوان في سوريا الشام، وقد طلبوا مني مرارًا أن أكتبَ الوجهَ الشرعيَّ لهذا الفعل، كما أن شيخنا الصابرَ أبا محمدٍ المقدسيَّ قد طلب مني قبل أن أكتبَ في هذا الأمر لما بلغه يقينًا أن التنظيمَ يرفضُ قبولَ التحكيمِ بينهم وبين جبهةِ النصرةِ محتجين أنهم “الدولةُ” وليس من الدين ولا التاريخ أن تجلسَ الدولةُ مع غيرها للتحاكم (زعموا بهتًا وانحرافًا) ، ولقد قلتُ لمن يحضرني من الإخوان أن تنظيمَ الدولةِ قد دخل فيه الانحرافُ من جهتين:

أولاهما: من أفراخِ جماعةِ الخلافةِ، وهي جماعةٌ قَدَمَتْ في الجهل، إن من الشر من حيث زعموا أن الخلافة (الإمامة العظمى) حقيقتها تكون بأن يبايع واحدٌ من المسلمين واحدًا من آل البيت لتكون الحقيقة الشرعية لهذا المسمى العظيم، وقد كان لي معهم كلامٌ طويلٌ حيث بانَ لكل مبتدئٍ من العلم جهلُهم، وأما طالبُ العلم الممكَّن فهو بصيرٌ بجهل هذه الدعوى، وقد كان آخرُ كلامٍ لي مع الخليفة المزعوم أن قلتُ له إن طريقَكم يجمعُ بين ضلالِ الروافضِ والخوارجِ: وأما أخذكم عن الروافض فهو من جهةِ تسمية المعدومِ وهو إمامهم الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري إمامًا، وقد فرغ أهل العلم في بيان اختلال هذا المعنى، ومن تأمَّل كلامَ شيخِ الإسلام ابنِ تيميةَ في منهاج السنةِ النبويةِ وفي مقدمة كلامه عن معنى الإمامة عند العقلاء وأهل السنة رأى فسادَ هذا المعنى شرعًا وعقلاً، وقد كنتُ أقولُ لهم إن الحقيقةَ الكونيةَ هي التي تُكسِب الألفاظَ معانيها، حتى الشرعيةَ منها، فالخلافةُ اسمٌ لحقيقة وليست اسمًا غير معقول المعنى، تضعه على “اللاشيء” فتصبح له الحقيقةُ الشرعيةُ كما تزعمون، وكان ردُّهم أن هذه -شروط الإمامة- لم تثبت بالشرع وكان هجيراهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) ، وقد بذلتُ جهدي لهم في بيان حقيقة لفظ الخلافةِ والإمامةِ والإمارةِ، وأن هذه الحقائق هي التي تتحقق مقاصدها، فإن خلت من هذه المعاني ذهب عنها الاسمُ الشرعيُّ، وهو كلامٌ يدركه الأطفالُ، فكان ردُّهم دومًا: هذه فلسفةٌ لا نفهمها.

وقد جمعتني بهم مجالسُ كثيرةٌ وكان جلُّ وسعهم أن يأخذوا مني تزكيةً لهم على اعتقادهم، وكان إصراري أنكم لا تعدون -إن أحسنَّا بكم الظن- جماعةً من المسلمين لا جماعةَ المسلمين، وحيث سميتُم الوهمَ (صيغة الخلافة عندهم) اسمًا شرعيًّا مباركًا (أي الخلافة) فأنتم في هذا الباب على نهج الروافض، وهم أكثرُ الناس وهمًا في هذا الباب حيث يسمون الغائب “المعدوم” إمامًا ويعلِّقون عليه أحكامَ الإمامة، بل وأكثر من ذلك.

وأما أنكم تشابهون الخوارج؛ فإنكم أتيتم بالشرِّ الأكبر فيهم حيث كفرتم المخالفَ لكم في هذا المعنى، وقد صرَّح لي “خليفتهم” وفقيههم المقدم فيهم أنهم كانوا على هذا الاعتقاد وهو تكفيرُ مَن لم يبايع خليفتَهم، ولكنهم قالوا: إن اعتقادنا هذا قد تغيَّر -أي الخليفة! والفقيه!- وإن كان بعضنا على هذا الاعتقاد، وهي مسألةٌ لا نوالي عليها، فهي عندهم مسألةٌ خلافية يجوزُ فيها الافتراقُ دون الفراقِ، وحيث كان هذا معتقدهم في الابتداء فقد وقع منهم جهالاتٌ كثيرةٌ من إباحةِ الدماءِ والأموالِ، وليس هذا موطن كتابةِ تاريخهم الذي اعترفوا به هُم دون سواهم، وقد انتهى الأمر بيني وبين خليفتهم وفقيههم على حُسن الصحبة بيننا مع بقاء تصريحي لهم بما تقدَّم، هذا مع علمي أن بعضَ أتباعهم يطلقون عليَّ حُكم الكفر، وقد كان أحدهم يُشيع هذا الحكمَ عني، ويصرِّح به في مجالسه العامة في المساجد حتى سعى أحدُ شيوخنا وهو الشيخ أبو عياض إلى ترتيب جلسةٍ بيني وبينه دون علمي -وهو رجل مقدمٌ فيهم- لأنه كان حريصًا أن لا يجتمع معي ولا يناقشني، فلما حضرتُ إليه في بيت الشيخ أبي عياض لم يعرفني حتى قدَّمتُ نفسي له، فحاول جاهدًا الخروجَ ولكنه أُلزم من صاحبِ البيتِ الكريمِ بالجلوس، ولما دارَ معه الحوارُ -والشيخُ أبو عياض يشهد على هذا- لم يكن من هذا المُقدَّم في جماعةِ الخلافةِ إلا ترداد أني كافرٌ فقط، وقد سألته مسائلَ في باب التكفير، وهي من قواعده فلم أجد إلا الجهلَ، فلما عرق حزنتُ عليه وأذنتُ لصاحب البيت أن يُفلته وقد كان.
وقد كان سببُ التكفير زعمه أني أُجيز التحاكمَ لغير الشريعة، وذلك أني أجبتُ قائلاً يومًا عن مسألةٍ إنها من معاني الاستنصار في دفع الظلم وليس من باب التحاكم فهو يطلب الحكم في النزاع أو الأشياء أو المعاني، فلم يفهم شيئًا مما قلت، وقد جاءني الخبر من شيخنا أبي محمدٍ المقدسيِّ أن هذا الرجلَ اليومَ عند تنظيم “الدولة” وقد سُجن وذلك لجرأته في تكفير المخالف من المسلمين، وهذا عندي يدلُّ أن جماعة (الخلافة) السابقة قد دخلت في هذا التنظيم “أي الدولة الإسلامية في العراق والشام” وأثَّرت فيه، وحيث إني أعلمُ أن جماعةَ “الخلافة” يدعون لبيعة الأول فالأول، فإن جماعة الدولة قد سَرَتْ فيهم بدعةُ الدعوة إلى الخلافة على المعنى الباطل، ولكنهم لم يقبلوا “الخليفة”؛ أي أنهم أخذوا الفكرة والاعتقاد وألبسوها لأميرهم أبي بكرٍ البغداديِّ.
هذا هو مصدرُ الانحراف الأول في جماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ، وقد كان بعضُ الناس من خارج جماعة “الدولة” تنظيمًا ومكانًا يدعو إلى بيعة البغداديِّ بيعةَ الخلافة، وكان هذا يُحمَل عند الناظرين على الجهل والتهور وسعار المخالفة، ولم يكن يُرى هذا المعنى جليًّا في جماعة “الدولة” إلا عند من يدقِّقُ في كلامهم في رفضهم للتحاكم بينهم وبين مخالفيهم، وكان شيخُنا أبو محمد هو من نبَّههم على هذا الداء فيهم حيث كان بينه وبينهم رسائلُ وكلامٌ، مع أن بعض مسؤوليهم الشرعيين فاحت منه هذه الجهالاتُ وهو قوله: إن الإمامة من أصول الدين، وهي مناطٌ للتكفير والإيمان.

أما مصدرُ الانحراف الثاني في جماعة الدولة فهي بقايا جماعاتِ التوقُّف والتبيُّن، وبقايا جماعات الغلو ممن يطلق عليهم جماعاتُ التكفير، وقد نفر بعضُ هؤلاء إلى الجهاد في بداية أمره، وأعلمُ بعض أسمائهم، وقد أحدثَ هؤلاء من الشرِّ في رؤوس البعض، كما أنه صار لكلامهم أثرٌ كبيرٌ في رؤوسِ الشبابِ الجُدد الذين نفروا من مناطقَ صحت فجأةً من هوة الجهل العميق إلى حالة التديُّن، ومثل هؤلاء كالعجميِّ إن أسلم؛ فإن وُفِّق لصاحب سُنَّة اهتدى، وإلا كان فسادُه عظيمًا كما قال الأئمة من قبل، ولذلك تجدُ عامةَ أتباع هؤلاء من الجهلة المبتدئين في التديُّن حيث يعجز جهلهم عن فهْمِ مضايق مسائل العلم، ومعلومٌ لأهل العلم أن تنزيلَ الأحكامِ الشرعية من مضايق الفقه، بل هو أعوص ما يلاقيه الفقيهُ نفسُه، فكيف يُجعَلُ حكمُ الكفرِ والإيمانِ على الأشخاص والجماعات في يدِ جاهلٍ لا يعرف أحكامَ المياهِ والوضوءِ والصلاةِ، وقد بلغني كثيرًا أن هؤلاء يحتجُّون بكلامٍ لي في إنزال أحكام الكفر على الناسِ والجماعات، بل إنَّ البعضَ ذهب ليجعلَ كلامي سببَ فسادِهم، وأني مصدرُ ضلالهم، وقد نسي هؤلاء أن الكلامَ الشرعيَّ في قواعده العامة يمكن أن يَحتجَّ به كلُّ فريق كما احتجَّ الخوارجُ بكلام ربنا، ولكن الفارق بين الهداية والضلال في إنزال هذه القواعد ومعرفة شروطها وموانعها، وهذا هو البابُ الذي يفترقُ الناسُ فيه، بل وتتفاوتُ فيه مراتبهم في العلم والدين.

والمقامُ ليس لمعالجة حاسدٍ وحقودٍ وإلا لقالَ المرء الكثير، ولكن كلُّ مَن يعرفني عن قربٍ ويقرأ كلامي بتدقيقٍ يعلمُ الفرقَ بين كذبِ الناس عليَّ وبين حقيقة اعتقادي، كما يعلمُ كلُّ من يعرفني امتناعي الشديدَ عن التساهل في التكفير للأفراد والجماعات، ويكفيني توفيقًا أني كنتُ دومًا مانعًا كاشفًا لمثل هذه الجهالاتِ أن تدخلَ في التيارِ الجهاديِّ، مع المحاولات الكثيرة لغزوه، وها أنا الآن مقيدٌ في السجن لما يقارب الثلاثة عشر عامًا، وقد استهلكتْ رحلةُ الجهادِ الرجالَ الأوائلَ ممن رعَوا هذا الطريقَ وفتحوا أبوابه، حيث مضوا إلى ربهم شهداءَ ولم يبقَ إلا القلةُ القليلةُ ممن يعرفُ طبيعةَ وأصولَ هذا الطريق، وعامتهم إما في القيدِ أو مطاردٌ.

وخلال هذه الرحلة نبتت النوابتُ، وذرت البدعُ والأخطاءُ وتراكمت، وقد استطاع أهلُ البدع من أهلِّ الغلو والبدع الجديدة كجماعة الخلافة أن يخلوا بالناس وبالشباب الخارج من عمايات الجهل، وعامتهم أشبه بالعجم وهُم مادةُ الغلو والانحراف، كما هُم مادةُ التهور ودفع الحكمة، ولذلك فلا عجب أن نسمع كلَّ يوم بالجديد، والمرءُ لو كان حرًّا لكان في المعركة عدلًا، لكن أن تكتبَ للناس كلامًا لا يصلُ إلا بجهد وطاقة بل تحارَب لئلا تتكلم ويُترك غيرك على غالبه يسرح ويطوف بجهالاته حيثُ يريد، ومع ذلك فإن السفالة لا تفارقُ هذا المخالف حيث يرميك بأمراضِ قلبه، وهو يعلم من حاله أنه هو (المغفل النافع) عند خصوم أهل الإسلام؛ فهم يرقبون حركته بفرحٍ، ويرون غلوَّه هو طوقَ النجاة في دفع الناس من الالتحاق بركبِ الجهاد، لأن الحياةَ لا تستقيمُ إلا بالعدل والإحسان كما أمر الله تعالى. والقصدُ فإن المَطالبَ التي يرسلها الإخوةُ لي كثيرةٌ وكلها تحمل آلامًا وشغفًا، فلا يجد المرء لها جوابًا إلا الدمعَ و(ليتَ)، وحاله كما قال القائل:

لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ *** لَيْتَ شَبَابًا بُوْعَ فَاشْتَرَيْتُ

فهو -وإن يكتب- يبقى: كيف يرسل؟ وإن أرسل: كيف يجيب المتسائل والمخالف؟ وهكذا يقف المرءُ أمام إخوانه ناصحين: لا تكتب طويلاً حتى نستطيع تمريره، والحمد لله رب العالمين.

بما يخصُّ موضوعَ الإمامةِ العظمى (الخلافة) فإن على المرءِ أنْ يعلم أنَّ هذا الأمرَ ليس فيه جديدٌ عند أهل السُّنة، فقد فرغ منه أهل العلم قديمًا وحرروا كل ما تعلق به من أحكامٍ ومفاهيمَ، وقد وقعتْ في التاريخ الإسلاميِّ النوازلُ العظيمةُ والقضايا المتعددة، فكتب فيها أهلُ العلمِ الكثيرَ.

وقد ظهرت مقابل الخلافة السُّنية شذوذاتُ الضلال وأهل البدع، وبالتالي صار موضوعُ الخلافة داخلاً فيها يوصف من العلوم أنه نضج واحترق، ولذلك فما يقول المرء هنا لا يعدو صياغةً جديدةً لكلامٍ قديم، أو أنه يأخذُ ما تقدَّم من الأحكام ليُنزلها على الوقائع الجديدة، فهذا منتهى الوسع الذي يرومه من يكتبُ اليومَ في هذا البحث، وهذا الكلامُ أقوله لأني فصَّلت في خبايا أصول هذه النابتة الجديدة والتي تحدثتُ عنها ثم سَرَت إلى جماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ، فهم يزعمون أنهم اهتدوا إلى ما غاب عن الآخرين وأن فسادَ الجماعات عمومًا وجماعات الجهاد خصوصًا سببه غيابُ مفهوم ومعنى الخلافة (على الوجه الذي أتوا به) عن عقول عمل هذه الجماعات، وهذه عباراتُ “الخليفة” يومَها معي، وهي عينُ ما قاله الجاهلُ المسمى بالناطقِ الرسميِّ لجماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ العدنانيُّ، حيث قال في بيانٍ له في الردِّ على الدكتور الحكيم أيمنَ الظواهريِّ هذا المعنى حين دعاهُ إلى أن الحلَّ لما شَجَرَ بينهما من خلاف هو إعلانُ الخلافة، وكذلك أكَّد على هذا المعنى البيانُ الأولُ لإعلان الخلافة حيث جعلَ إعلانَهم الخلافةَ تحقيقًا لأمل المسلمين الباقي، وكأن كلَّ المطلوبِ قد تحققَ إلا هذا الذي اكتشفه هؤلاء القومُ.
وابتداءً فإني أخبرُ إخواني ممن يسمعُ النصحَ ويبتغي الحقَّ أن هذا الإعلانَ لا يُغيِّر من واقع المواجهة مع الجاهلية؛ فهو لن يزيدَ قوةَ جماعةِ البغداديِّ والعدنانيِّ ومن معهما، كما لن يُضعف صفَّ الجاهلية، وقد كانت جماعاتُ الجهاد عمومًا على طريق واحد بل والكثير منها على إمرة واحدة ألا وهي البيعة للدكتور الحكيم، فدخول اسم الخلافة لن يُغيِّر واقعَ الصراع والمواجهةِ مع أعداءِ الدين، لكنْ شرُّه أنه سيُدخل العاملين المجاهدين في صراعٍ داخلي، وحقيقةُ دعوة الخلافة هذه موجَّهةٌ لجماعاتِ الجهادِ العاملةِ في الأرضِ من اليمنِ والصومالِ والجزائرِ والقوقازِ وأفغانستانَ ومصرَ وعمومِ بلاد الشام وليست إلى عمومِ المسلمين، فهؤلاء لا يشغلهم هذا الإعلان إلا بما هو معنى الإعلان عن سلعة من سلع الحياة، ولذلك شرُّه محققٌ ولا خير فيه، لأنه من نوع الصراعِ على الإمارة والقيادة، وهذا أعظمُ شرورِ تاريخ الإسلام، فإن المرءَ المسلمَ يحقُّ له أن يفتخر بإطلاقٍ في كلِّ جوانبِ التاريخِ الإسلامي، حتى إذا جاء إلى موضوع الإمارة رأى السوادَ والحسدَ وسفكَ الدمِ الحرامِ وكثيرًا من الدنيا مع القليل من الآخرة.

وما فعلته جماعةُ (الدولة) هو إذهاب للخلاف الجاري بينها وبين خصومها على قيادة جماعات الجهاد -أي جماعة القاعدة- إلى الدم الصريح وإعطاءِ هذا السفكِ للدم الحرام صفةَ الشرعيةِ حيث سنجد فقه (البغاة) كما أعلن الجاهلُ المركبُ العدنانيُّ في بيانه هذا، حيث حذَّر من شق عصا الطاعة، وإن حكمَها الدمُ والقتلُ، بل سنجدُ كلابَ أهلِ النار يكفرون المخالفَ لإمامهم وأميرهم كما فعل أشياعُهم القدماءُ وجماعةُ (الخلافة) ، وسيكونُ هذا في هؤلاء كذلك، وإن كان مثل هذه الأمور لا تَظهر رأسًا بل تتسللُ تباعًا كما رأينا منهم ذلك قبل إعلان الخلافة، إذ كان خلافهم مع جبهة النصرة على الإمارة والقيادة ثم تحوَّل تباعًا إلى التكفير واستحلال الدماء، ومن قرأ تاريخَ الجماعاتِ فلن يتعجبَ من تلبيس الأهواء أدلةَ الشرعِ والدين فهذا أسهلُ ما يأتيه هؤلاء.

إن ما أراده البغداديُّ إن كان هو صاحبَ الأمر حقًّا في هذا التنظيم -مع أني في شكٍّ من ذلك- فإن الكثيرَ من الإشارات تدلُّ أن الرجلَ حالُه مع غيره كحال محمد بن عبد الله القحطاني (المهدي المزعوم) مع جهيمان، حيث الضعفُ النفسيُّ الذي يحققُ سلاسةَ القيادة لمثل العدنانيِّ وغيره ممن وصلني عنهم هذه الأخبارُ ومعانيها، أقول إن ما أراده البغداديُّ بإعلان الخلافة قطعُ الطريق على الخلافِ الشديدِ على إمرة الجهاد في بلاد الشام الواقع بينهم وبين جماعة النصرة، وخاصة بعد أن تبيَّن كذبُ دعواهم أن لا بيعة في أعناقهم للدكتور أيمن، والبغداديُّ في حالة سباتٍ شتويٍّ لا يقدرُ على الإجابة والرد، إذ يقومُ بدلاً عنه من يتقنُ الشتمَ والرجمَ، بل خلتِ الجماعةُ من طالبِ علمٍ شرعيٍّ له ملكةُ الحديثِ بالشرع في هذا الباب، فإن خرجَ بعضُهم فتحدثَ أتى بالمصائبِ والفواقر، فلم يبقَ إلا علوُّ الصوتِ والنذارة والتهديد بالقتل وسفك الدماء.

وهذه القفزةُ لحلِّ المشاكل كما ظنوا ولتحقيق حلم المسلمين كما زعموا؛ ستُفرح الجهلةَ ولكنها ستعمق الخلافَ واقعًا، وستزيدُ من سفك الدماء بلا شك، وبهذا تعلمُ ابتداءً حكمَها في دين الله تعالى.

فإن عجزتَ عن معرفة حُكم شيءٍ فانظر إلى عاقبته، وتذكَّر أن الدماء التي ستسيلُ هي دماءُ المجاهدين لا دماءُ المرتدين ولا الزنادقة، ولقد كان لأهل العقول والدين والحكمة مندوحةٌ عن هذا وهو أن يتحقق الوفاقُ ثم يُبنى عليه، لا أن يذهب هذا المذهب والذي هو خلاف فقه الصحابة -رضي الله عنهم- كما سأبيِّن لاحقًا، وتحقيقُ الوفاق كان قريبَ المنال لو كان عند القوم دينٌ وخلقٌ وتقوى وعلمٌ، وقد دعاهم الناسُ إليه كثيرًا، ألا وهو التحكيمُ الشرعيُّ، لكنهم تكبَّروا فرفضوه، وعظَّموا أنفسهم إذ جعلوا تنظيمهم “دولةً” لا يصلح أن يجالس الصغارَ من التنظيمات في مجلس تحكيم وقضاء، وذهب الأفَّاكون منهم ومن لبس لباس العلم زورًا ليبرر لهم أن “التاريخ الإسلاميَّ” يخلو من جلوس “دولةٍ” في مجلس تحكيم مع “تنظيم” ، ولو قرأ هؤلاء قوله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾
وتفسير أمنا عائشةَ -رضي الله عنها- لما كذبوا هذه الكذباتِ على القرآن والسُّنة، ولو قرؤوا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لرأوا كيف قبل حكم سعدِ بن معاذ في غزوة اليهود القرظيين، ولو قرؤوا التاريخَ لرأوا كيف قبل الخليفةُ الراشدُ عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- التحكيمَ فيما بينه وبين معاويةَ -رضي الله عنهم- لكن هؤلاء هم “الشرعيون” في هذا التنظيم الذي انساق وراء الجهالاتِ حتى أتى بهذه الفاقرة الكبيرة.
***
ليس مطلوبًا من رجل وقف عمرَه عاملاً لتحكيم الشريعة في الوجود ولإقامة دين الله في الأمم أن يُعلن أن أعظم ما يتمناه أن تعودَ الخلافةُ الشرعيةُ حاكمةً لديار المسلمين التي حُرمت من هذا الخير، وغلب عليها حكم الجاهلية، فلا يُنكر هذا المطلبَ إلا ضالٌّ أو معاندٌ لدين الله تعالى، فالحديثُ ليس عن شرعيةِ الإمامةِ والخلافةِ فهذا أمرٌ مُجمعٌ عليه كما هو مذكور في كتب الفقه والسياسة الشرعية، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يصرخ حين يعلن أن هذا الذي جرى ليس هو أمنيته ولا ما يعلمه من كلام الفقهاء والعلماء، ولا هو من فِقه الصحابة -رضي الله عنهم- بأن التفرقَ مذمومٌ وأنه لا يجوز نصبُ خليفتين في آن، وإن من أجاز هذا من بعض أهل العلم قديمًا وحديثًا فقد أخطؤوا، ولكن ليعلم أن هذه الجماعة هي التي شقَّت الصفَّ وهي من أحدث الفرقة، مع أن كاتب هذه السطور يرى في خروجهم نعمةً عظمى ورحمةً ربانية لطوائفِ الجهاد، ولشرح ذلك أقول:

لقد نمتِ الحركةُ الجهاديةُ في ظروف استثنائية، ولقد استغرق الطريقُ الكثيرَ من قادتها فذهبوا إلى ربهم أو آوتهم السجون، ولم يتقِّ الله فيها أهلُ العلم من المخالفين، أو لم يُظهروا لهم أي قدرٍ من الحبِّ والعطف والإحسان، بل كانوا مع أعداء الإسلام ضدَّهم يجلدونهم بالحق وبالباطل وبالشبهة والدعاية، فقست قلوبُ الفريقين على بعضهما وجفَّ السبيلُ الواصلُ بينهما، فلم يعد المجاهدون ينظرون إلى المخالفين من أهل العلم إلا منافقين يبيعون دينهم لصاحبِ الأصفر والسوط، ولم ينظر أهلُ العلم لهؤلاء أنهم من الحقِّ في شيءٍ، وكان الحوارُ أشبه بزعيقٍ في الوديان، لا يسمع المرءُ منها إلا نفسه، وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية تنشأ الزوائدُ ويستشري الانحرافُ، إذ لا يحسن العوامُ إلا العمومات وهذا قدرهم، وهذا الطريقُ هو أخطرُ طريقٍ لأنه طريقُ دماءٍ وأرواح، وتتداخل فيه السيئةُ والحسنةُ على وجه مقارب، فإن الجهادَ في سبيل الله تعالى هو ذروة النشاط الإنسانيِّ المختلط، ومن قرأ سيرة الرسول ﷺ رأى عظم القضايا التي كانت تنشأ في المغازي والسِّير، وأهلُ الإسلامِ اليومَ فيهم الكثيرُ ممن يَظنُّ أن هناك الكثيرَ من الإسلام الذي يُمكنُ أن نكتشفَه ولم يكتشفْه الأوائلُ، وهي نزعةٌ سَرَتْ إلى المجاهدين من التيار السلفي الجديد، وهذا يشكل انقطاعًا عن العلم بشقيه المقروء والمسموع، أما المقروءُ فهو القديم وأما المسموعُ فهو الجديد، وبهذا دخل الدخنُ على التيارِ الجهادي، وحيث بيئةُ الجهادِ هي القتلُ والقتالُ فإن الصوتَ المرتفعَ الغالبَ في هذه البيئات إن خلت من العلماءِ هو صوتُ الغلو، ومن عاش تجربةَ الجزائر علم هذا يقينًا، واليومَ نراه في صوت العدنانيِّ وأمثاله.

كما أننا نعلمُ أن طولَ الطريقِ وتعاقبَ الزمن ينشئُ في السائرين الأمراضَ، ومن سُنن الله تعالى حصولُ الفتن في الجماعات والأمم، وهذه العوارضُ أصابت هذا الطريقَ فصار فيها ما صار، وخاصةً في باب الغلو، وقد أخذوا بلا فهمٍ ولا تدقيقٍ عمومات ما قاله أهلُ الطريق.

وقد جاءت هذه الفتنُ لتبتليَ الناسَ، وهو ابتلاءٌ يُحدِثُ الفرقةَ بين الناس بحسب منازلهم، وضريبةُ هذا الافتراق كبيرةٌ، لكنها ضرورية، وبفضل الله تعالى لم أكن حزينًا لكل ما يقع، بل أرى حكمةَ الله تعالى في ذلك حيث يُنقِّى هذا الطريق من زوائده وشذوذه وانحرافاته، ولقد كان الناسُ لا يعرفون الفَرقَ بين أهل الغلو وأهل الجهاد لأن قضايانا لا تهم العمومَ من الناس، لكن اليوم فإن هذا الافتراقَ مشهورٌ معلوم، والمرء يحمد الله تعالى أن لا يُنسب إليه شرٌّ ولا بدعةٌ ولا انحراف، حتى لو كان أهلها الأكثر والأغلب، فإن القرآن ليعلمنا قواعدَ الوجودِ والاتباع، أما الوجودُ ففي قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾ فلن يصحَّ وجود إلا الحق، ولو بدا للناس أن فورةَ الباطل وفقاعته عظيمةُ الشأن فإن المرءَ رأى الكثيرَ في حياته، ولم تعد تهمُّه هذه الفقاعاتُ والطفراتُ السريعة، فهي لا تخدع إلا الأطفالَ ممن تشغلهم الكثرةُ، وأما الاتباع ففي قوله تعالى: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ وإنه بحمد الله تعالى قد وُفِّقتُ في بدايتي إلى من علَّمني عدمَ الاغترارِ بالقطيعِ وفقهه مهما بلغت كثرته.

والآن جاء وقتُ التمحيصِ والابتلاءِ وسيُحدث هذا افتراقًا وضعفًا، لكن له العاقبةُ التي تُحمد -إن شاء الله تعالى- ولكن بشرطِ الصبر والثبات والفقه، فها هي جموعُ الغلط تتجمعُ في صعيدٍ واحدٍ، وسينزعُ إليها صاحبُ هوى صار بينه وبين إخوانه ما يعلقُ في هذا الطريق فيجدُ في هذه فرصةً له للانتقام وإظهار ما طويت على نفسه، وصاحبُ حبِّ رئاسة فاتته في سبيلٍ يجدها عند هؤلاء، وصاحبُ بدعةٍ لم تُعالَج بالعلم فهي عند هؤلاء سبيل للإمامة والتقوية، وهؤلاء وإن كان أساسُ الإعلان الأول نزعةُ الهوى (أقصد إعلانَهم أن جبهةَ النصرةِ هي يدُهم وفرعُهم في سوريا الشام) فكيف ما تلاه؟ ومن كان صاحبَ نظرٍ وفكرٍ فإنه يستطيعُ رؤيةَ تطور الأهواء في هذا الحدث من أوله إلى يومنا هذا، كيف تسارع ونما حتى صار إلى ما صار إليه من إعلان الخلافةِ البدعيِّ هنا كما سنرى.
حقًّا إن بعضَ الفتنةِ عطاءٌ والحمدُ لله رب العالمين.
***
بعيدًا عن تقاليد عرض موضوع الإمامة العظمى في الفقه الإسلامي فإني سأرتبُ الأبحاثَ على وجهٍ يجيبُ على أسئلة الكثيرين، كما يُبيِّن زيغَ القافزين عليها بجهل دون علم، فأقول وبالله التوفيق:

1/أ – الأسماءُ تحمل قيمتها الدلالية بما تنشئ من التزامات ومعانٍ، وهي لا تستحق هذه الدلالةَ ولا هذه الالتزاماتِ إلا بكونها دالةً على حقائق، وكلمةُ الخلافة وضعٌ اصطلاحيٌّ له حقائقُ تُعلَمُ من خلال مقاصد هذه الكلمة، فكلما تخلَّفت المقاصدُ دلَّ على فقدان حقائق هذه الكلمة، وهذا أمرٌ فطريٌّ لا تنكره بداهةُ العقول، فإن خوطب المرءُ بغير هذا فقبله فقد خرج عن بداهة العقول.

والإمامةُ العظمى والخلافةُ وجودٌ كونيٌّ مُدرَكةُ المعاني، فهي ليست من التعبدات المحضة التي تؤتى لذاتها كالصلاة والذكر والحج والصيام، بل هي على معنى ما قاله عموم الفقهاء: (أعمال الإمامة منوطة بمصلحة الرعية) ويعني هذا أن للإمامة أعمالاً وهي مقاصدها فحيثُ خلت عن المقاصد ذهب اسمُها، ومن قواعد الفقهاء: (إن المنهي عنه شرعًا لذاته فإنه لا يقع مجزئًا) وبالمفهوم: إن ما لا يجزئ يعني غياب ذاته الشرعية، وهذا لمن فقهها علم أن غياب مقاصد الإمامة من (إمام مبايع) يعني غياب معنى الإمامة الشرعية.
وهذا جوابٌ بلا تطويل على من جهل فزعم شرط التمكين شرطًا باطلًا لتحقق الخلافة.
والحديثُ مع من يعلمُ الفقهَ وأصوله لا مع الجهلة ممن لا يعرفون الفقه ولا أصوله.

2/أ – ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به) وهذه الجنة -أي الحماية والمنعة- لا تكون بغير أدواتِها، وأدواتُها هي ما سُميت بالشوكة والتمكين، والحديثُ يذكر أمرين لحصول معنى الإمام وهما: (يقاتل من ورائه) والثانية: (يتقى به) ، وذلك لتحصل قاعدة الوجود والفقه: الغرم بالغنم، فهو يطاع لقوله: يقاتل من ورائه، فلا يفتأت عليه، وللناس عليه حقٌّ بعد هذا فهو يتقى به، ولا يتقى إلا بمن له هذا المعنى كما هو معلوم.

3/أ – من المعلوم في الفقه الشرعيِّ وقد بسطه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في مقدمة منهاج السنة، أن الإمامةَ عقدٌ بين الأمة والإمام، ومعنى العقد في الشريعة وفي الحقيقة أن هناك عاقدين ومعقودًا عليه والصيغة، وهذه أركان العقد في كتب علمائنا كما يعلمه الطلبة، وحيث يخلو العقد عن أركانه أو مقاصده فإنه لغو، لا يزيد عن هذا اللفظ شيئًا.

4/أ – وقد دلَّ كلامُ ابن تيمية -رحمه الله- في مجمل كلامه أن الإمامة ليست وضعًا إلهيًّا، بل هي إنشاءٌ بشري، حتى أنه ذهب إلى القول (والسياق بالمعنى) بأنه لو أوصى رسول الله ﷺ بالإمامة لواحد فخالفته الأمة بعده وبايعت غيره لكان الإمامُ هو من بايعته لا من أوصى به مع معصيتهم في المخالفة؛ لأن مقاصدَ الإمامة تتحققُ فيه لا بغيره، وهنا يبين لكل أحدٍ معنى قولهم أن الإمامةَ وضعٌ بشري، أي هي عقد ككل العقود تحصل بالرضى، ولا بد لها من شروطٍ ومقاصدَ وإلا كان اسمها لغوًا، فمن عقد على امرأة بشرط عدم الدخول ذهب معنى الزواج، وصار العقد لغوًا لا قيمةَ له، وهذا من معنى قولهم في الشرط: (ما كان خارجًا عن الماهية ولا تصح إلا به) ، ومن معنى قولهم: (المنهي عنه شرعًا كالمعدوم حسًّا).

5/أ – والمعقودُ عليه هو إقامةُ الأحكام وحمايةُ البيضة والدعوةُ إلى الله بالجهاد، وهي مقاصدُ العقد، وهي لا تتحققُ إلا بأدواتها التي سميت شروطًا فأنكرها الجاهلون.

6/أ – وحديث: (إنما الإمام جنة) كقوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ، وإنما أداة حصر وقصر، فحين يعجز المبايَع عن تحقيق الجُنة أي الحماية بخلوه عن أدواتها أو بتقصير فإنه يذهب عنه وصفُ الإمامة، والإمامةُ هنا بمعناها المخصوص وهي القيادةُ والسياسةُ بالمفهوم المعاصر.
7/أ – وأما أن الإمامةَ بيعةُ رضى فيشهدُ لذلك قولُ الفاروق عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه: (مَن بايع رجلًا مِن غير مشورةٍ مِن المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايع تغرة أن يقتلا) وفي لفظ: (فلا يتابع) ، فشرط الإمامة العظمى حصولُ الرضى، وهو في قوله: (من غير مشورة من المسلمين) ومَن فَقه سيرة عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- في بيعة ذي النورين علم أن الصحابةَ كانوا يرون شرطَ رضى الأمةِ في بيعة الإمام، ففيه: (فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن بن عوف ثم قال: أما بعد، يا علي، إني نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمانَ فلا تجعلن على نفسك سبيلًا) ، فجعل رأيَ الناسِ هو الحاكم في التعيين، والحديث في الصحيح. وقد فقه الفاروق -رضي الله عنه- أن البعضَ سيعترض على ما يقولُ ببيعة الصديق -رضي الله عنه- وأنها جَرَت على غير هذا المعنى، فرد قائلاً: (أنها فلتة وقى الله شرها) وصرف شرها بسبب مقام الصديق -رضي الله عنه- في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وهذا تحقيق لقوله ﷺ: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون) فتوافق فيه الرضى الإلهي والوقوع القدري.

8/أ- ونوعُ هذا العقد عقدُ وكالة، فإن الأمةَ توكل رجلاً يكون إمامًا من أجل أعمال الإمامة والقيادة، ذلك لأن القرآن يجعلُ إقامةَ الأحكام واجبًا عليها كلها كما قال تعالى: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ ﴾ ولكن لما كان متعذرًا قيام المجموع بذلك فإنهم يوكلون رجلاً بينهم لتحقيق المراد، وبهذا العقد يحصلُ للإمام الشوكةُ اللازمةُ لتحقيق مقاصده، فالأمةُ المسلمةُ هي شوكته وقوته.

9/أ – ولما كانت سُنة الوجود إقامةُ العرفاء، وهم وكلاءُ الأمة في أمورهم وشؤونهم، وكان هؤلاء هم: أهلُ العلم والحكمة والقوة فيهم؛ كان هؤلاء هم أهلُ الشورى أو أهلُ الحل والعقد، أي بيدهم تحقيقُ مقاصدِ مجموع الأمة، وبهذا يُعلَمُ أن الأمرَ أولاً وآخرًا بيد الأمة لا بيد غيرهم، ولو أسقط هؤلاء الوكالةَ عن الآخرين؛ الإمام أو أهل الحل والعقد لما تحقق في أسماء هؤلاء أي معنى، فلا الإمامُ يستحقُ اسمه ولا أهلُ الحل والعقد كذلك، فهذا هو شأنُ الإمامة في دين الله تعالى.

10/أ – وأما ما ذُكر في كتب الفقهاء من أحكامٍ لنوازلَ أخرى كالتغلبِ مثلاً فهي على غير الأصل، فلا تُقَرُّ في الفعل، ولكن حيث تحصلُ الغلبة التي بها تتحقق مقاصد الإمامة جاز إقراره منعًا من فتن الإمامة، وهي أعظم فتن الوجود، حيث تسيل بسببها الدماءُ العظيمةُ في كل طوائف الوجود وأقوامهم ودولهم.
11/أ – إن كان ذلك كذلك، فإنك قادرٌ بعد ذلك على تمييز ما يُقال ويقع من حقٍّ أو باطل، وتعرف معانيَ الأسماء في هذا الباب وحقائقَها كما تعرف أوهامَ الناسِ وجهالاتِهم.

1/ب – يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .
2/ب – يثبتُ القرآنُ كما ترى ولايتين بين المؤمنين: أما الأولى فهي الولايةُ الإيمانيةُ العامة وهي في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ ، وأما الولايةُ الثانية فهي الولايةُ السياسية، وهي التي تسمى اليومَ بالجنسية، فإن الجنسيةَ لدولة الإسلام تثبت بشرطين: الإسلام، وثانيهما: الهجرة، وهي التي تقتضي البيعةَ في داخلها، وقد رتبت الآيةُ الأولى لوازمَ على هذه الولاية، فقد أثبتت المعاني التالية:
2/ب/أ – إثباتُ الإيمان لمن لم يهاجر وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ ﴾ .
2/ب/ب – إثباتُ وجوبِ النصرة في جهادهم لخصومهم في الدين حتى مع عدم ولايتهم السياسية بشرط أن لا يكون هذا الجهادُ فيه نقض لما التزم به الإمامُ المخاطبُ في الآية مع المشركين.
2/ب/ج – إثباتُ جواز عقد الهدنة مع المشركين بشروطٍ معروفةٍ في الفقه وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ .
2/ب/د – إثباتُ إمكانية وقوع الفرقة السياسية في طوائف المؤمنين وهو بيِّن في الآية الأولى، فإن الآيةَ أثبتت جوازَ قتال الدعوة للفئة المهاجرة وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ وهذا من أعمال الإمامة إلا أن الشارعَ أجازها للطائفة الخارجة عن سلطة الإمام، ويشهد لذلك ما جاء في الصحيح من قصة أبي بصير -رضي الله عنه- بعد صلح الحديبية وفيه: (ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النبي ﷺ: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير… حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم) .

فأفاد الحديث:
2/ب/د 1- أن هناك أسبابًا أخرى غير ما ذُكر في الآية الأولى من إمكانية تفرق المسلمين السياسي، وهو هنا التزامُ فئة من المسلمين بعقد لم يلزم غيرهم، فهذا أبو بصير صار فئةً أخرى غير أهل المدينة يقومُ بأعمال الإمامة والجهاد.
2/ب/د 2- وقد استدلَّ بهذا الحديث ابنُ تيمية -رحمه الله- على هذا المعنى في بعض فتاويه، حيث التزم بعضُ ملوكِ الإسلام بعقودٍ مع الكافرين فلم يجعلها ملزمةً لكل ملك من المسلمين الآخرين، وهذا يُبعد ما زعمه بعض المعاصرين أن قصة أبي بصير حادثةُ عين.
2/ب/د 3- وحيث جاز للطائفة الأولى الالتزام بالعقد الذي يمنع القتالَ مع الآخرين في الدين، فللطائفة الثانية هذا المعنى ولا شك.
3/ب – كلُّ هذا التفرق على خلافِ الأصل كما هو معلومٌ، لكن ضرورات الوجود تفرض هذه الصور وغيرها كما رأينا وإلا فالأصلُ قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ .
4/ب – كلُّ هذا يُثبتُ أن إلزامَ المسلمين ببيعةِ واحدٍ في كل آن غيرُ صحيح، ويَذهبُ قائله في الضلال إن أجاز قتلَهم بترك البيعة، ويكون حقًّا من كلاب النار إن كفرهم لهذا الفعل أو بنى عليها -أي البيعة لأميره- أصلاً من أصول الدين، وقد تبيَّن من الآية الأولى إثباتُ الإيمان لتارك الهجرة والبيعة.
5/ب – حديثُ عبد القيس وفيه: (إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: من القوم؟ أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى. قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبره من وراءنا وندخل به الجنة، … وأن تعطوا من المغنم الخمس).
وهذا فيه:
5/ب/1- أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالهجرة، بل أقرهم على سكن بلادهم، فدلَّ أن الهجرةَ المأمورة ما كانت للفرادى ممن قال الله عنهم: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ﴾ فإن قدر المرء على إظهار دينه عاد، والأمر إلى تقدير الإمام وجماعته.
5/ب/2- أجازَ لهم أعمالَ الجهادِ تحت ولايته بتقديرهم هُم وذلك في قوله: (وأن تعطوا من المغنم الخمس) مع عدم اتصال البلاد.
5/ب/3- مجموعُ أمرِ حالِ وفدِ عبد القيس وحالِ أبي بصير أنَّ أعمالَ الجهاد -وهي من أعمال الإمامةِ- تجوزُ على كل حال بإذن الإمام إن كان تحت ولايته، وبدون إذنه إن لم يكونوا كذلك، فرادى أو جماعات.
1/ج – أعمالُ الإمامة منوطةٌ بالقدرة، والقدرةُ قد تقصر وقد تقوى، ودلَّ على ذلك أمورٌ منها:
أ- أصلُ البيعة التي جرت في العقبة، وثانيًا كان مضمونها منع النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته، ومعناه أن يدفع عنه إن قُوتل في المدينة، ففي المسند أن عبادةَ بن الصامت قال: (إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعنا عليها). قال ابنُ كثير: إسناده جيد قوي.
ب – لقد احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمل إمامته لأهل المدينة إلى رأي الأنصار في بدرٍ لما خرج للقافلة فتبيَّن أن أمامهم قتال قريش، وأصل الحديث في البخاري وهو عند مسلم بتفصيل وعند أحمد: استشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها … الحديث.
ج- ما وقعَ مع عليٍّ -رضي الله عنه- بعد مقتل ذي النورين -رضي الله عنه- فإنه اعتذر عن القصاص بالفتنة وعدم القدرة، والنصوصُ معلومةٌ لطالب العلم فليرجع إليها.
1/د – القاعدةُ التي أرساها الفاروق -رضي الله عنه- في قوله المتقدم في 7/أ وفيه قوله: (من بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا) دلَّت على أن البيعةَ للإمام لا تنعقدُ بواحدٍ ولا في ما معناه من اثنين أو ثلاثة، بل ويدلُّ على أنها لا تُفرضُ من قومٍ على قوم بمجرد بيعة الخلافة، وهذا ما جهله بعضهم حيث ظنوا أنه بمجرد بيعةِ البعض بالخلافة فإنه يستحقُّ هذا المعنى ويجب على المسلمين قبوله، والفاروقُ يأمرُ بعدم المتابعة إلا بأن تكون شورى بين المسلمين، وقد تبيَّن أن المقصودَ بالمسلمين هم عرفاؤهم وأهلُ النظر ممن سموا بأهل الشورى أو أهل الحل والعقد، وبأمر الفاروق هذا يكون قتالُ المخالف أكثرَ ضلالاً؛ فإن من أطاع الفاروقَ بعدم المتابعة لا يُقاتَل بل يُمدح، فيكون مقاتلُه مخالفًا لفقه الفاروق، ولا حاجة أن يقال إن الفاروق قال هذا بمحضر من الصحابة الكبار فلم يخالف منهم أحد لعلمهم أن هذا هو دين الله، وأن غيره هو دين الجهل والانحراف.
2/د – وحين يكونُ الناسُ في مرحلةِ بناءِ شوكةِ التمكينِ من خلالِ شوكةِ النكايةِ كما هو حالنا، وأن يستقر لبعضهم بعضُ السلطان على أرضٍ وقوم، وآخرون منهم كذلك، فلا يُحسم الأمرُ بأن يَسبِقَ أحدُهم بإعلان إمامته وأنه الخليفة ليكون هو المتعيِّنَ دون غيره، فإنَّ تصوُّر هذا القول على حقيقته يجعله أقربَ إلى الطفولية والسذاجة من العلم في العقل، إذ قائلُ هذا القول يتصورُ أن المسألةَ تتعلق عن سبق وإعلان الخلافة قبل سواه، فيا له من مناط يبكي الثكلى.
3/د – وقد يبرز لهؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي جعله الله لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم).
وهذا الحديث ليس حجة لما قالوا:
1/3/د – إن هذا النصَّ يتحدثُ عن خلفاءَ يسوسون، وهذا يعني أن لهم سلطانًا على الناس، لا ما يحمله هؤلاء على رجال لا سلطانَ لهم ولا يقدرون الدفعَ عن أنفسهم ولا عن غيرهم كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الإمام جنة).
2/3/د- أن البيعة ملزمةٌ لمن بايع لا لغيره، وذلك في قوله: (فُوا بيعة الأول فالأول) فكيف تلزم الآخر.
3/3/د- ثم إنَّ هذا الحديث يصلحُ للمتنازع على كل إمارة، فإن من حمله على معنى السابقة بلفظ بيعة الخلافة فقد جهل، إذ يصح معناه بعمومه على أن بيعةَ الأولِ في الإمارة هي الثابتةُ دون سواها، ولو تفكَّر هؤلاء لوجدوا أن بيعتهم الباطلة لأنها التالية؛ فقد قامت بيعاتٌ كثيرة منها من تلاشى ومنها من بقي، وكلها على السمع والطاعة في أعمال دينية جزئية وهي المقدور عليها؛ وكلُّ بيعة على غير مقدور عليه عبثٌ وبالتالي فإن حمله على بيعة الخلافة دون سواه خطأ، وحالُ هؤلاء أننا لو تصوَّرنا جماعةً لها نوع تمكين أو نوعُ شوكةٍ وفيها بيعةٌ على المقدور عليها من أعمال الشرع ثم جاء ضعيفٌ مستضعفٌ غريبٌ لا يقدر على أي نوعٍ من أنواع الولاية حتى الإمامة للصلاة ويكون قرشيًّا فيأتيه واحد أو ما في معناه ممن لا يتحقق بهم القدرة على أعمال الإمامة جزئيًّا وكليًّا فيبايعونه على الخلافة فهو عندهم الأول ويجب على الناس بيعته حتى تلك الجماعة التي لها نوع تمكين، وهذا جهل على الحديث ولا شك، فإن لفظ (الخلافة) دلالته لغو لا قيمة له، ومن المعلوم فقهًا أن العقودَ بمعانيها ومقاصدها لا بألفاظها ومبانيها، فلفظُ الخلافة هنا أشبه بلفظ الهبة مع العوض فهي مصروفة إلى البيع ولا شك.

وخاتمةُ الأمرِ أنَّ ما أعلنته جماعةُ الدولة الإسلامية في العراق بأنها “دولةُ الخلافةِ الإسلاميةِ” باطلٌ من وجوه، وجهالةٌ من جهالات الذين لا يقدرون على إنزال الفروع على الأصول فأفصِّل وأقول:

1- تقدَّم أن أمرَ الإمامة لا يكونُ إلا عن رضى، ولا يحصلُ إلا باتفاقِ أصحابِ الأمرِ من أهل الشورى، وقد عُلم أن أصحابَ الشوكة هم المجاهدون في سبيلِ الله تعالى في الأرض من سوريا الشام واليمنِ وأفغانستانَ والشيشانِ والصومالِ والجزائرِ وليبيا وغيرهم من أهلِ النكاية في أعداءِ الله، وقد عُقِدَ أمرُ الخلافة بعيدًا عن هؤلاء، ولا يُعلَمُ من بيانهم إلا أن جماعةً فقط -أعلن ذلك الناطق الرسمي لهم- هي من بايعته، وبأمر الفاروق -رضي الله عنه- وفقه المتقدم يُعلم عدمُ جوازِ متابعةِ المبايِع والمبايَع، بل هما تحت فقه (تغرة أن يقتلا) .

وهذه الجماعةُ (الدولة في العراق) ليست لها ولاية على عموم المسلمين حتى تقضي الأمر بعيدًا عنهم، وليست هي في الباب -إن أحسنَّا بهم الظن وإلا ففيهم الشرُّ الذي تكلمتُ عنه سابقًا من الغلو والانحراف والفساد وشهوة الدماء- أقول: ليست في هذا الباب إلا جماعةً من المسلمين لا جماعةَ المسلمين التي تقال لها الخلافة والإمامة العظمى، فهذه بيعةٌ في الطاعة لا تُلزم إلا أصحابَها فقط، والأسماءُ من غير حقائقها لا تغيِّر شيئًا.

2- تهديدُهم بالقتل لمن شقَّ عصا المسلمين وهذا الأمر لا يقال إلا بعد الانعقاد لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرِّق جماعتكم فاقتلوه) فهو بيِّن في قوله: (وأمركم جميع على رجل واحد) وأما هؤلاء فقد أنزلوه على غير وجهه؛ فإن الناسَ اليومَ جماعاتٌ لا يجوز جمعهم إلا على وجه الرضى أو حصول الغلبة المطلقة، وقولنا: الغلبةُ المطلقةُ لا تعني جواز التغلب، ولا القتال ضد المخالفين لحصوله، فإنَّ هذا قيل من أهل الفقه لمنع سلسلة الخروج، فإقرارُ الشيء بعد وقوعه لا يعني شرعيته في الابتداء وعلى قاعدة الشرع: (يعفى في الأثناء ما لا يعفى في الابتداء) .
3- إلغاؤهم جماعاتِ المسلمين في عموم الديار إلا جماعاتهم، وهذا الافتراء بلا علة سوى علة إعلان الخلافة، وقد تبيَّن سابقًا فسادُ هوى العلة فليس بالإعلانِ والأسماءِ يحصلُ الالتزام.

4- واقعُهم يدلُّ على سعارهم في قتالِ مخالفيهم، وهذا القتالُ إثمٌ وجريمةٌ كبيرةٌ على أي معنى كان، سواء كان من أجل الغلبة أو من أجل غيرها، أما إن حصل تكفيرٌ للمخالف فهذا دينُ الخوارج ولا شك.

5- قد تبيَّن من حالهم أن مُقدَّميهم أهلُ غلو وبدعة، وقد فرغ من هذا وتبيَّن جليًّا، وفيهم جهلٌ عظيم، حيث لا علماءَ ولا فقهاءَ يقدرون سوقَ هذا الأمر العظيم الذي ادعوه (الخلافة العظمى) ، وهُم وإن حصل لهم في آخر الأمر بعضُ سلطانٍ في العراق إلا أن الله تعالى يقول: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ وتحت هذه الآية العظيمة فرَّع فقهاء الملة عدمَ جوازِ تولية الظالم، وهُم وإن كان لهم نكايةٌ في الزنادقة الأنجاس لكن هذا شيءٌ وأمرُ سياسة المسلمين وقيادتهم شيءٌ آخر.

فهؤلاء لا رحمةَ في قلوبهم على إخوانهم المجاهدين فكيف سيكونُ أمرهم على فقراءِ الناسِ ومساكينهم وضعفائهم وعوامهم، وقد أجاز علماؤنا الجهادَ تحت الأمير الخارجيِّ كما أفتى علماءُ المالكية في المغرب الإسلامي، لكن لا يعلم إقرارهم لحاكمٍ خارجيٍّ يكونُ همُّه قتلُ الناس لا سياستهم ورعايتهم.

6- إنَّ هذا لا يُعد تهوينًا لشأن قتال الزنادقة مِن قِبَل هذه الجماعة فهذا أمرٌ محمود، ولو كانوا لوحدهم في ساحة الجهاد ضد الزنادقة لما قاتلَ المرءُ إلا تحت رايتهم، لكن أن يكون لهم شأنُ الإمامة العظمى على المسلمين في المشرق والمغرب فهو مع فسادِه الشرعيِّ والعلميِّ إلا أنه فاسدُ المآلِ ولا شك.

7-إنَّ حصولَ بعض التمكين لهم في العراق لا يجعلُ لهم فضلَ السبق في هذا الباب، فقد حصلَ تمكينٌ تامٌّ لملا الخير محمد عمر، وحصل تمكينٌ للمجاهدين في الصومال وفي اليمن وفي مالي، وكانوا لعقلهم ولعلمهم أبعدَ من الوقوع في هذه الجهالة والغرور وادِّعاء الخلافة العظمى الملزمة لكل مسلمٍ في الأرض؛ لأن الألفاظَ الشرعيةَ إما أنها تُطلق على حقائقَ كونيةٍ أو حقائقَ شرعيةٍ، أما أن تُطلق على الفراغِ فإن هذا دينُ الروافض والباطنية.

8- لقد أطلقَ الناطقُ الرسميُّ لهذه الجماعة الدعوةَ إلى إعلانِ الخلافةِ في خصومته مع الحكيم الظواهريِّ قبل حصول الفتح في العراق والهبَة الربانية لهم، فدلَّ هذا أن جرثومةَ الجهل بموضوع الخلافة سابقٌ على هذا الأمر، فلا يحتجُّ لهم بالتمكين ولا بغيره.

9- وختامُ الأمرِ أنَّ هذه جماعةٌ بدعيةٌ قبلَ الخلافةِ لما علمنا من سعارهم في قتل المسلمين وخاصةً أهل الجهاد منهم وما زالوا على ذلك، بل نرى أن هذا السعارَ قد ازدادَ ونما خاصةً بعد حصول الغلبة على مناطقَ في العراقِ مع أنَّ ما حصل هو عطاءٌ ربانيٌّ حتى إن بعضهم اعترف أن بعض المناطقِ سقطت من غير قتالٍ، وهذه نعمةٌ عظمى تستحقُّ الشكرَ والإخباتَ والتواضعَ لا الغرورَ وزيادةَ السعارِ في قتلِ المخالفين، وهذا أمرٌ لا يُقال على سبيل الاستعطاف فإن المرء رأى كثيرًا من التحولات الكبرى في حياته، ورأى من هو أعظم منهم يسقطُ في لحظةٍ أو رمشةِ عين وهذا ما لا نتمناه لهم، لأن البديلَ اليوم عنهم في العراق هم الزنادقة، ولكن النصر عند المؤمنين يصنع الخوفَ والتواضعَ كما هو حال إمامنا محمد صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحًا، وكحال الفاروق -رضي الله عنه- لما جاءته كنوزُ كسرى تحت قدميه، ونحن في الزمن الذي حدَّث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتسارع، ومن معانيه: وقوعُ الأحداث الكثيرة في الزمن القصير، والله أعلم.
* وحيث إنها جماعةٌ بدعيةٌ فلا يُقاتَل تحت رايتها إلا اضطرارًا، وقد زادتْ بدعتُها بزعمها أنها جماعةُ المسلمين، وأن إمامَهم هو الإمامُ الأوحدُ للمسلمين، مبطلين غيره بلا معنى سوى الادعاء وبيعةِ رجاله له على هذا المعنى، فلا يجوزُ لمسلمٍ يعلمُ دينَ الله تعالى أن يتابعهم على هذا الأمر، وعلى العقلاء مِن هذه الجماعةِ أن يمنعوا المزيدَ من الغلوِّ فيهم إن كانوا يريدون لأنفسهم ولإخوانهم الخيرَ، فإن للنصرِ ضريبتَه وآلامَه وتكاليفَه، فإن لم يُحسنوا وإلا؛ فإن سننَ الله تعالى جاريةٌ عليهم وعلى غيرهم، وقد جاء من هو أكثرُ غلبةً منهم فذهب ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
هذا ما قدرتُ عليه في هذه العجالة، وهي كافيةٌ لطالب العلم إن شاء الله، ولَمَن تبصَّر بها علم صوابَها والله أعلم.
والحمدُ لله ربِّ العالمين.

رمضان 1435 – يوليو 2014م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s