البغدادي وخلافة لُكَع بن لُكَع ‬!!

عادل الباشا

 

قال صلى الله عليه وسلم :” يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع “.

فكم تهفو نفوس المؤمنين وتشرئب أعناقُهم وتحنّ قلوبهم شوقًا إلى عودة الخلافة، كيف لا وهي سبب عزتهم، وسر سعادتهم ومصدر كرامتهم، وعنوان حضارتهم، أعزّ الله بها الإسلام وأهله، وأذلّ بها الكفر وأهله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “يجب أن يُعرَف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس..”. اهـ. مجموع الفتاوى 28/390.

وقد تواردت نصوص الشريعة على بيان عِظَم هذا الأمر وضرورته، فبينت حدوده وفصلت قيوده، فلا يولى أحد إلا بمشورة المسلمين واجتماعهم عليه، فيبايعه أهل الحل والعقد، لقول عمر رضي الله عنه: “ومن بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّة أن يُقتلا” رواه البخاري، فيكون مُمكَّنًا ذا شوكة يُقاتل من ورائه ويُتقى به، وتتحقق بولايته مقاصد الإمامة.

– وحتى أولئك الذين قالوا بإمامة المتغلب قيدوا ذلك بمن “يغلب” و”يستقر” له اﻷمر و”يجتمع” عليه الناس فيبايعونه طوعًا وكرهًا، فتحفظ به البيضة وتحقن به الدماء، ويقوم على معايش الناس ..

ولكن لُكَع بن لُكَع جاء فقلب الأمور رأسًا على عقب، فأهدر العمل بالنصوص، ونقض ظاهرها، وجوَّز أضدادها، وتتبع الشارد والشاذّ من الأقوال، فجعل المسألة وكأنها من الغوامض والدقائق!!

– وقد قال في النهاية: اللكع عند العرب العبد، ثم استعمل في الحمق والذم.

فإن قيل: لا تكون خلافة إلا بمبايعة أهل الحل والعقد؟!

قال: ألم يقل فلان: يكفي بعضهم، بل يكفي واحد منهم؟!

فأين هو من قول عمر لما قال رجل: “لو مات عمر لبايعت فلانا -أي من غير مشورة- فقال رضي الله عنه كما في البخاري: “إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم “. اهـ !
فسماه مغتصبًا لحق الأمة !

– وإن قيل له: يلزم أن يكون الإمام مُمكَّنًا ذا شوكة يقاتل من ورائه ويتقى به، أخرج رسالة في عدم اشتراط التمكين الكامل للخلافة!! جُوِّز فيها أن يكون الإمام مستخفيًا مطاردًا كأئمة الرافضة، وبدلًا من أن يتقى الناس به، يبتلى الناس به؛ فتسفك دماؤهم، وتستباح أعراضهم وتنهب أموالهم ويشق صفهم وتفرق جماعتهم، ويستعدى أعداؤهم، فتكسر البيضة وتستباح الحرمة، ويقضى على خيار الأمة..

وهذا الخليفة الذي أعلنوا عنه لم يجتمع عليه إلا من حوله ولم يزكِّه إلا قومه ولم يولِّه إلا جماعته، مع استنكار علماء الأمة وقادتها ورفضهم وتحذيرهم، ولكنهم أعلنوها خلافة في تعدٍّ سافر وافتئات ظاهر!!

فماذا عساه أن يصنع الخليفة؟!

فعلى مدار ثمان سنوات من إعلان الدولة في العراق بتاريخ 15/10/2006 ثم الشام في تاريخ 9/4/2013 وبعدها الخلافة في تاريخ: 28/6/2014 ، والواقع كما هو قبل إعلان الدولة وبعدها. حكم بالقوانين وقتل للمسلمين وأسر وتشريد وتهجير وتكفير وكل ذلك على بعد أمتار من مناطق تواجد الدولة!!

– فإن ادعوا أنهم غلبوا المسلمين عليها، فهي إذن ليست خلافة بل إمارة متغلب، والتغلب في الشرع وسيلة محرمة متخذها ظالم متعدي محكوم عليه بغاية الفسوق ، حيث استقل بالأمر دون مشورة من المسلمين وغصبهم أمورهم، كما قال عمر ،فأنَّى لهؤلاء أن تكون خلافة على منهاج النبوة؟! قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الصواعق: “لأن المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه، بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله “. اهـ. 2/627.

ومع ذلك فما وضعوه للقبول بإمارة المتغلب لم يتحقق فيهم أيضًا، فلم يستقر لهم الأمر، ولم يجتمع عليهم الناس ولم تحقن الدماء ،فلا هي خلافة على منهاج النبوة ولا هي إمارة تغلب يقر بها لحقن الدماء وحفظ بيضة الإسلام، فهم أنفسهم سفكوا دماء المسلمين، وكفروا خيار الأمة من المجاهدين!

وإن تعجب فعجب قول قائلهم: إذا قالوا لكم: لماذا افتأتم على الأمة وخيارها وعلمائها فأعلنتم الخلافة دون مشورة منهم ولا تأييد؟ فقولوا لهم: إن الأمر أعجل من ذلك، وعجلت إليك ربي لترضى!

وأخيرًا فهذا قول الشيخ أبي محمد المقدسي في خلافة البغدادي، قال: (لا يضيرني المسمى وإعلانه ولن أضيع وقتي في تفنيد ما سوَّده فلان في كتابه؛ فكلنا يتمنى رجوع الخلافة وكسر الحدود ورفع رايات التوحيد وتنكيس رايات التنديد ولا يكره ذلك إلا منافق؛ والعبرة بمطابقة الأسماء للحقائق ووجودها وتطبيقها حقًّا وفعلًا على أرض الواقع؛ ومن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه؛ ولكن الذي يهمني جدًّا هو ماذا سيرتب القوم على هذا الإعلان والمسمى الذي طوَّروه من تنظيم إلى دولة عراق ثم إلى دولة عراق وشام ثم إلى خلافة عامة؛ هل ستكون هذه الخلافة ملاذًا لكل مستضعف وملجأ لكل مسلم؛ أم سيتخذ هذا المسمى سيفًا مسلطًا على مخالفيهم من المسلمين؛ ولتشطب به جميع الإمارات التي سبقت دولتهم المعلنة، ولتبطل به كل الجماعات التي تجاهد في سبيل الله في شتى الميادين قبلهم ..) اهـ.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s